محمد أبو زهرة

26

المعجزة الكبرى القرآن

وبذلك نقرر أن ما كتبه زيد هو تماما ما كتب في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأنه ليس كتابة زيد ، بل هو ما كتب في عصره صلى اللّه عليه وسلم ، وما أملاه ، وما حفظه عن الروح القدس . وإذا كان ما كتبه عثمان من بعد ذلك قد قوبل بما كتب في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فالمصحف العثماني الذي بقي بخطه إلى اليوم هو مطابق تمام المطابقة لما كتب في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأنه يجب ألا يخرج عنه قارئ في قراءة بزيادة حرف أو نقص ، قد تكون القراءات متغيرة في أصوات المقروء وأشكال النطق ، ولكن لا يمكن أن تكون متغيرة بزيادة أو نقص ، فذلك هو الخروج عن الرسم الذي وضع في عصر محمد صلى اللّه عليه وسلم بإقراره صلى اللّه عليه وسلم . الحقيقة الثانية : أن عمل زيد لم يكن عملا أحاديا ، بل كان عملا جماعيا من مشيخة صحابة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ ذلك أن زيدا بطبيعة عمله أعلن بين الناس ما يريد ، ليأتيه كل من عنده من القرآن ما هو مكتوب بما عنده ، وقد علموا مقدار ما ينبغي لكتاب اللّه من عناية ، فذهبوا إليه وذهب إليهم ، وتضافر معه من كانوا يعاونونه غير مدخرين جهدا إلا بذلوه في عناية المؤمن بكتاب اللّه تعالى الذي يؤمن به . ولما أتم زيد ما كتب ، تذاكره الناس ، وتعرفوه وأقروه ، فكان المكتوب متواترا بالكتابة ومتواترا بالحفظ في الصدور ، وما تم هذا لكتاب في الوجود غير القرآن : ولا يهمنا أن يقر ذلك المعاندون أم لا يقروه فذلك إيماننا ، والحجة القاطعة لا يضيرها ارتياب في غير موضعه ، بل الحقائق ناصعة ، والبينات قائمة ثابتة ، وهي في حكم البدهيات القاطعة ، ومن يرتاب في أمر عقلي لا ريب فيه ، فهو يضل نفسه ، ولا يضر غيره ، والحق أبلج ، والباطل لجلج ، إذن فلا عجب في أمر المعاندين الضالين . إنما العجب كل العجب في أمر الذين يضلون في طلب الحق ، فيتيهون في ظلمات الروايات المدسوسة المكذوبة ولا حول ولا قوة إلا باللّه . جمع القرآن في عهد عثمان أو الأحرف السبعة 13 - جمع القرآن كله في عهد الشيخين أبى بكر وعمر ، وقد أودعه عمر حفصة أم المؤمنين ، ليكون مصونا يرجع إليه لا ليتلى منه ، فالتلاوة استمرت كما كانت في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم تتلقى من أفواه الرجال مرتلة ، كما تلقوها عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ليبقى القرآن محفوظا في صدور المؤمنين بنصه وتلاوته . وإن النص المكتوب واحد ، لا تغير فيه ، وهو يحتمل عدة قراءات ، وقد ذكروا أن القراءة المتواترة لا تكون مقبولة إلا إذا كانت موافقة للنص المكتوب غير زائدة ، ولا ناقصة ، فهي شاملة للقراءات كلها .